القرطبي
413
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذا أفضتم من عرفت فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هديكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين ( 198 ) . قوله تعالى : " ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم " فيه مسألتان : الأولى - قوله تعالى : " جناح " أي إثم ، وهو اسم ليس . " أن تبتغوا " في موضع نصب خبر ليس ، أي في أن تبتغوا . وعلى قول الخليل والكسائي أنها في موضع خفض . ولما أمر تعالى بتنزيه الحج عن الرفث والفسوق والجدال رخص في التجارة ، المعنى : لا جناح عليكم في أن تبتغوا فضل الله . وابتغاء الفضل ورد في القرآن بمعنى التجارة ، قال الله تعالى : " فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله " ( 1 ) [ الجمعة : 10 ] . والدليل على صحة هذا ما رواه البخاري عن ابن عباس قال : ( كانت ( 2 ) عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية فتأثموا أن يتجروا في المواسم فنزلت : " ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم " في مواسم الحج ) ( 3 ) . الثانية - إذا ثبت هذا ففي الآية دليل على جواز التجارة في الحج للحاج مع أداء العبادة ، وأن القصد إلى ذلك لا يكون شركا ولا يخرج به المكلف عن رسم الاخلاص المفترض عليه ،
--> ( 1 ) راجع ج 18 ص 108 . ( 2 ) الذي في البخاري : " كان ذو المجاز وعكاظ متجر الناس في الجاهلية ، فلما جاء الاسلام كأنهم كرهوا ذلك حتى نزلت . . . الخ " . وعكاظ : نخل في واد بينه وبين الطائف ليلة ، وبينه وبين مكة ثلاث ليال . وذو المجاز : خلف عرفة . ومجنة : بمر الظهران ، قرب جبل يقال له الأصغر ، وهو بأسفل مكة على قدر بريد منها . وهذه أسواق للعرب . وكان أهل الجاهلية يصبحون بعكاظ يوم هلال ذي القعدة ، ثم يذهبون منه إلى مجنة بعد مضى عشرين يوما من ذي القعدة ، فإذا رأوا هلال ذي الحجة ذهبوا من مجنة إلى ذي المجاز ، فلبثوا به ثمان ليال ، ثم يذهبون إلى عرفة . ولم تزل هذه الأسواق قائمة في الاسلام إلى أن كان أول ما ترك منها سوق عكاظ في زمن الخوارج سنة تسع وعشرين ومائة ، لما خرج الحروري بمكة مع أبي حمزة المختار بن عوف خاف الناس أن ينتهبوا فتركت إلى الان ، ثم ترك ذو المجاز ومجنة بعد ذلك ، واستغنوا بالأسواق بمكة وبمنى وبعرفة . ( عن شرح القسطلاني ) . ( 3 ) فوله : " في مواسم الحج " قراءة ابن عباس ، كما نبه عليه المؤلف في مقدمة الكتاب ص 83 ، وقال أبو حيان في البحر : " وقراء ابن مسعود وابن عباس وابن الزبير " فضلا من ربكم في مواسم الحج " وجعل هذا تفسيرا ، لأنه مخالف لسواد المصحف الذي أجمعت عليه الأمة .